ابن الجوزي

552

كتاب ذم الهوى

اللّه عز وجل نصب عينيها ، ومن فعل ذلك لهى عن زينة الدنيا . فجعل يبكي ويقول : كيف لي بالبلوغ إلى ما دعت إليه ، ومتى تكون آخر المدة التي نلتقي فيها . واشتد وجعه فلما رأى القوم أنه لا يقرّه قرار حبسوه في بيت ، وتوهموا أن الذي به من عشق . فكان ربما أفلت فيخرج من منزله فتجتمع إليه الصبيان فيقولون مت عشقا مت عشقا ، فكان يقول : أأفشي إليكم بعض ما قد يهيجني * أم الصبر أولى بالفتى عندما يلقى سلام على من لا أسمّي باسمه * ولو صرت مثل الطير في غيضة ملقى ألا أيها الصبيان لو ذقتم الهوى * لأيقنتم أني محدّثكم حقّا أحبّكم من حبّها وأراكم * تقولون لي مت يا شجاع بها عشقا فلم تنصفوني ، لا ولا هي أنصفت * فرفقا رويدا ويحكم بالفتى رفقا فلما صحّ ذلك عند أهله وعلموا أنه عاشق ، جعلوا يسألونه عن أمره فكان لا يجيبهم وكتمت العجوز قصته . فأخذوه فحبسوه في بيت فلم يزل فيه حتى مات . رحمه اللّه . أخبرتنا شهدة بنت أحمد ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد السّراج ، قال : أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد ، قال : حدثنا أبو صالح السّمرقندي ، قال : حدثنا الحسين بن القاسم بن اليسع ، قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدّينوري ، قال : حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد اللّه الصوفي الخياط ، قال : قال أبو حمزة : رأيت مع محمد بن قطن الصوفي غلاما جميلا ، فكانا لا يفترقان في سفر ولا حضر ، فمكثا بذلك زمانا طويلا ، فمات الغلام وكمد عليه محمد بن قطن حتى عاد جلدا وعظما ، فرأيته يوما وقد خرج إلى المقابر فاتّبعته فوقف على قبره قائما يبكي وينظر إليه ، والسماء تمطر ، فما زال واقفا من وقت الضحى إلى